
من قلب القاهرة، نلتقي اليوم بالباحثة والكاتبة سهير عبد الحميد، التي استدعت في كتابها “اغتيال قوت القلوب الدمرداشية.. سيدة القصر” روحًا طواها النسيان والتجاهل المتعمد. رحلة استكشاف لامرأة عاشت تناقضات الأرستقراطية والتصوف،. ونحن في خضم الاستعداد لإطلاق الترجمة الفرنسية لهذا العمل الاستثنائي عالميًا في يناير القادم، في تعاون ثقافي ضخم بين”
(Sulfur Editions)
ودار ريشة للنشر والتوزيع
والذي سيشهد انطلاقته الكبرى من قاعات معرض القاهرة الدولي للكتاب، نلتقي بالكاتبة في حوار غير تقليدي يغوص في تعقيدات “الست قوت”، من خلوات المتصوفة وصالونات الأدب، إلى أضواء دار “جاليمار”، والنهاية التراجيدية في روما

أستاذة سهير، عاشت قوت القلوب في قلب “القاهرة الكوزموبوليتانية”، حيث امتزجت ثقافات الشرق والغرب، وتجلى ذلك بوضوح في نشأتها بين مربية إيطالية ومعلمة فرنسية، وحرصها على حضور حفلات الأوبرا والباليه والكوميدي فرانسيس، وصولاً إلى زواجها من مستشار في المحاكم المختلطة. لكن المفارقة الصارخة أنها رغم هذا الانغماس في الحياة الأوروبية، اختارت أن تنقل للجمهور الفرنكوفوني عبر دار “جاليمار” أدق تفاصيل الفولكلور الشعبي، من الزار والسحر، إلى قهر النساء في عالم الحريم المنغلق. إلى أي مدى كانت القاهرة الكوزموبوليتانية وانفتاحها مجرد “قناع” اجتماعي وملاذ فني ارتدته قوت القلوب، بينما ظلت روحها وعقلها الباطن أسيرة لدراما الحارة المصرية وخلوات المتصوفة؟ وكيف استطاعت توظيف أداة الكوزموبوليتانية الأولى (اللغة الفرنسية) لتشريح أمراض مجتمعها المحلي وكسر أسوار الحريم أمام أنظار العالم؟
*لقد عاشت “قوت القلوب” بحكم ظروف نشأتها حالة من الشيزوفرنيا ؛ فهى من جانب تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية بحكم مولدها في أسرة ثرية ذات علاقات وطيدة بأهل السياسة والفكر والاقتصاد وكان عليها وفقًا لذلك أن تتربى وتتعلم كأبناء تلك الطبقة التي كانت لغتهم الأساسية هى الفرنسية وإطلاعهم على الأدب والفكر الفرنسي هو ما يشكل وجدانهم الثقافي
على الضفة الأخرى من النهر هى أيضًا ابنة أسرة صوفية محافظة تتبنى الفكر الصوفي منذ 500سنة ، وفي قصر والدها عبد الرحيم باشا الدمرداش لا تنقطع خطوات المريدين من أتباع الطريقة والمترددين بشكل دائم على مسجد الدمرداشية الذي أنشأه والدها الباشا حول زاوية الجد الكبير للأسرة الدمرداشي المحمدي الخلوتي، أو الذين يأتون للعبادة داخل خلاوي الخنقاة “كلمة فارسية تعني بيت التصوف ” ،خصوصًا فى مولد الشيخ الدمراداش والذي يأتي في النصف الثاني من شعبان ، إذ يحرص المريدون على الصيام والاعتكاف داخل الخلوات ثلاثة أيام لا يفطرون إلا على أرز بزيت سيرج وهو أنقى أنواع الزيوت إلى جانب عصير الليمون . وفي الخميس من كل أسبوع يعقد” المُحيا ” أو حلقة الذكر لقراءة الأوراد والأذكار . إلى جانب ذلك كان القصر مقصد الفقراء والمحتاجين من أهل العباسية التي كانت قد بدأت تتحول من مركز للطبقة الأرستقراطية إلى تجمع لأبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة. هذا المناخ فرض على “قوت” والاختلاط بمختلف الطبقات الاجتماعية التي لها طبائعها وتقاليدها المتغايرة والضاربة بجذورها في الأرض لأنها تخص عموم المصريين
نضف إلى ذلك الطباع المتشددة لوالدها الباشا الذي ظل ملتزمًا بتقاليد عدم الاختلاط بين الجنسين ،ولعل المشربيات في شرفات قصره تعلن أنه ظل منحازًا لفكرة بقاء المرأة خلف الأسوار .بل إنه ظل مخلصًا للجبة والقبطان الحريري ولم يغير مظهره مطلقًا حتى حين يزور دار المندوب السامي البريطاني، وهو ما جعل المجلات الهزلية تطلق عليه “مستر دمرداش”
وقد كتب القدر على قوت أن تتولى هى مشيخة الطريقة الدمرداشية التي تتوارثها العائلة في ظل عدم وجود أبناء ذكور للباشا ولأن ولدها الشيخ “عبدالرحيم ” الذي تولى المشيخة وهو ابن السابعة لم يكن قادرًا بالطبع على استيعاب أو أداء مهامه
هذا كله جعل قوت مشدودة إلى واقعها الأسري والجغرافي والاجتماعي وبدا انتماؤها إلى الطبقة الأرستقراطية شكليًا بحكم تعليمها وإطلاعها على الآداب الأوروبية لكنها بقيت تقابل العالم بخلفيتها الصوفية التي فرضت عليها سلوكيات معينة ومظهر محدد وكأنما ظلت المشربية حائلا ماديًا ومعنويًا بينها وبين العالم.وربما كان الحل الوحيد لتلك الإشكالية النفسية أن تكسر الأسوار وتكشف عالم الحريم المخفي وما يعانيه من ظلم وتجاهل ونظرة دونية دون الاهتمام بإنسانيته واحتياجاته . لذا كانت تجتمع بالنساء البسيطات في حي العباسية تستمع إليهن وتسجل صرخاتهن المكتومة إزاء القيود التي فرضتها عليهن تقاليد بالية جعلتهن كالسلعة تباع وتشترى ومجرد أداة لإمتاع الرجل والإنجاب . فكتبت أدبًا بالفرنسية التي تتقنها شأن كل أبناء الطبقة الأرسقراطية ؛ ففي تلك الحقبة الزمنية كتب كثيرون بالفرنسية منهم الأميرة قدرية ابنة السلطان حسين كامل والأمير حيدر فاضل

يطرح الكتاب سيرة قوت القلوب وتدرجها من قصرها الباذخ في ميدان التحرير، الذي حولته إلى صالون أدبي مفتوح يجمع كبار الكتاب والمفكرين الفرنسيين والمصريين مثل: جول رومان وجورج دو هامل، مروراً بقرار هدم هذا القصر عام 1963 ليحل محله نفق للسيارات، ومصادرة أملاكها، وصولاً إلى العزلة والنهاية المأساوية في منفاها بروما. تبدو قصة هذه السيدة وكأنها مرثية درامية لـ “القاهرة الكوزموبوليتانية” ذاتها؛ فهل ترين أن الانهيار الذي تعرضت له قوت القلوب -سواء تهميشها أدبياً، أو الإجهاز على قصرها التراثي، أو موتها غريبة في أوروبا- كان في جوهره انعكاساً واغتيالاً لحقبة كاملة من الانفتاح والتعددية الثقافية التي ميزت مصر في النصف الأول من القرن العشرين؟ وكيف انعكس سقوط هذه النسخة الكوزموبوليتانية من القاهرة على انسداد أفقها النفسي وصولاً إلى حافة الجنون والموت التراجيدي؟
*إن قصة السيدة قوت القلوب الدمرداشية هى حقيقة بكائية ومرثية حزينة ترمز لاختفاء ” القاهرة الكوزموبوليتانية” التي كانت مجمعًا للأديان والثقافات والأجناس وساحة للفكر والأدب والفن وقبلة للعالمين من الباحثين عن نور القلب والعقل .كانت القاهرة تموج بالأفكار والتيارات ما أكسبها ثراء ورحابة وشكل مناخًا انتعش فيه الإبداع .لكن كل هذا اختفى بفعل الانقلاب السياسي الذي شهدته مصر عام 1952 والذي لم يكن انقلابًا على الملك فاروق أو انقلابًا على الملكية فحسب. بل كان وأدًا للحرية والتنوع والتعددية بدأ بترويع الجاليات الأجنبية التي كانت جزءا من المشهد الاجتماعي المصري عن طريق سياسات التأميم وعشوائيات المصادررة التي طالت حتى أبناء البلد، وتزامن ذلك مع النيل من كل ما يخص القاهرة الملكية من قصور انتزعت من أصحابها بشراسة لتتحول إلى مدارس أو مقار حكومية رغم كونها جزءا أصيلا من التراث المعماري والفني المصري ،فانتصر القبح على الجمال
وإذا طبقنا ذلك على حالة قوت القلوب الدمرداشية لوجدنا أنها مثلت تلك الحالة من التردي حين تمت مصاردة ممتلكاتها وهدم قصرها المنيف الذي كان قصرًا بديعًا يخص في الأصل يوسف باشا قطاوي رئيس الطائفة اليهودية ، وقد هدم في ثلاثة أيام كإجراء انتقامي من سيدة خدمت العلم والمجتمع ، وهذا فقط بسبب علاقتها بالكاتب الصحفي أحمد أبي الفتح الذي عارض سياسات عبد الناصر في تقييد الحياة السياسية ووأد الأحزاب . لم يكن في وسع قوت إلا أن تترك موطنها وذكرياتها وقصرها وعالمها إلى إيطاليا لتنعي وحيدة ما آلت إليه حياتها بعد الثراء الواسع إلى الضنك الذي ضاق به ولدها بعد أن رفت من الخارجية دون ذنب أوجريرة سوى أنه سليل الدمرداشية. فقد صوابه تدريجيًا حتى فاض به الكيل حين طلب مالا من والدته ولم يجد معها ، فأشاح في وجهها بمقعد خشبي قضى على حياتها وأدخله المصحة النفسية.تمامًا كما حدث لقاهرة النصف الأول من القرن العشرين وكأنها صبية مليحة أصابها أحد الأشقياء بقطرات من ماء النار شوهت وجهها وأحالتها عجوزًا دميمة تنعي الأيام التي خلت

أستاذة سهير، وصفتِ في مستهل الكتاب حالة روحية غريبة انتابتك منذ بداية جمع المادة، وقلتِ: “إحساس أنني تورطت معها وأن هناك رابطة روحية غير مرئية تجذبني إليها”. كيف قادتك هذه الرابطة لاستكشاف التفاصيل الدقيقة لامرأة مثلت حالة خاصة في الوسط الثقافي؟ وكيف استطعتِ التغلب على تعاطفك كامرأة مع معاناتها، لتحافظي على تجردكِ كباحثة؟
*كان هناك شيئًا يجذبني دومًا لقصر الدمرداشية ، زرته مرارًا وكلما زرته شعرت بالسكينة ومكثت في غرفة الست “قوت” أكثر من مرة وطالعت صورها القديمة ،وقرأت كل قصاصة ورق وقعت تحت يدي عليها اسم”قوت القلوب” تابعت صحف زمنها لأستجلي كل ما هو متاح عنها ..انفعلت معها تدريجيًا حتى شعرت بأنني تقمصت دورها وأنني أشعر بها وانفعالاتها. تفهمت ضعفها الإنساني وكذلك جبروتها حين غيرت أسماء أبنائها من المستشار مصطفى مختار لتمنحهم اسم الدمرداشية ، أوجعتني قصة زواجها الفاشل ثم حبها المستحيل ، وتألمت لوفاة الحبيب الذي أحبته من طرف واحد ، وتخيلتها تجلس أمام صورته التي لم تفارق بيتها تنعيه وتنعي نفسها . كانت كل كلمة عثرت عليها تقربني منها . أستطيع القول إني درست شخصيتها دراسة باحث نفسي كي أتمكن من الكتابة عنها ولكن بكل موضوعية وحيادية . عبرت عنها كما استوعبت كينونتها ولكن دون انحياز أو تبرير
نشأت قوت القلوب في بيئة شديدة التناقض؛ تحت سفح مئذنة وعلى أصوات “المحيا” وأذكار الطريقة الدمرداشية المحمدية، وفي الوقت ذاته تلقت تعليماً غربياً على يد معلمة فرنسية ومربية إيطالية، وارتادت حفلات الأوبرا والباليه. كيف انعكس هذا التمزق بين الخلوة الصوفية وبين الفنون الأوروبية الكلاسيكية على تشكيل وعيها كأديبة؟ وكيف استطاعت أن توازن بين تمردها الفكري وبين حرصها على استقبال كبار المفكرين من وراء حجاب؟
*قد يبدو التنافر بين المؤثرين أمرًا سلبيًا للوهلة الأولى . لكني أعتقد أنه كان إيجابيًا ومنح تلك السيدة تفردًا في الفكروالكتابة والتعبير ؛ فقد امتلكت الوعي بأهمية تحرير المرأة وكان مدخلها لذلك ليس حديثًا فوقيًا ولا باستخدام خطابات ثورية مُدججة بالعبارات الفخمة التي لا تعبر إلا عن طبقة ضيقة . بل انطلقت من هموم النساء البسيطات ومن أوجاع القاعدة الأعم من النساء التي لا يريدون من الحرية أهم من أن يكون لهن الحق في حياة كريمة كبشر أن يعاملون بإنسانية، وألا تلام إحداهن لكونها أنثى وأن يكون لديها الحق في اختيار الزوج المناسب لها ، وألا تزف إلى عجوز ينتهك شبابها، أن تكون لديها الفرصة للتعليم ، ألاتعاقب لأنها لم تنجب الذكر .لقد انحازت “قوت” إلى تلك الأحلام الأولية المشروعة للمرأة الشرقية والتي تجاوزتها المرأة التي تنتمي إلى طبقات اجتماعية أرقى ممن يبحثن عن حق المشاركة السياسية أو شغل المناصب المختلفة
وبالتالي كان هذا محور التمرد الفكري لقوت التي انشغلت بتحرير جوهري للمرأة قبل التمردعلى غطاء الوجه الذي تقابل به المجتمع لأنه كانت ترى أن المناخ ليس مؤهلا لذلك وأن الوقت مازال مبكرًا لهذا اللون من التمرد، وقد عبرت عن ذلك بذكاء على لسان بطلة روايتها “رمزة
“كان هناك منديل أسود ملقى بلا اهتمام بجانبي على المقعد ..الحجاب الذي خلعته في المساء ..عندما كنت وحيدة ..قمت بكرمشته بيدي وأنا مملوءة بالكراهية ..كنت أفضل أن أرميه بعيدا ..ولكن الوقت الذي أتحرر فيه من الحجاب لم يأت بعد ..وضعته مرة أخرى. لقد أدركت أن الوقت ليس ملائما لكنها لم تعلن الهزيمة أخذت على عاتقي أن أستمر في النضال حتى يختفى من وجوه سيدات الشرق هذا الطغيان الرجالي
في رواياتها مثل “رمزة” و”زنوبة”، شنت قوات القلوب حرباً على المجتمع الذكوري الذي يفضل إنجاب الولد ويعتبره السند والوريث. هي نفسها عانت من هذه النظرة مع والدها الذي لم ينجب ذكوراً. كيف تمكنت هذه السيدة الأرستقراطية من النزول إلى أعماق الطبقات الشعبية والتقاط هموم النساء اللواتي قُهرن بسبب عدم إنجاب الذكور، وتحويل هذا القهر إلى أدب عالمي؟
*لقد استخدمت معاناتها الشخصية كجسر عبرت من خلاله عن معاناة مئات النساء اللواتي حكين لها عما عانينه من فكرة أن الولد هو السند ، ففي جلساتهن الحميمية كل أسبوع مع الست “قوت” روين لها ما كن يلاقينه من عنت الأزواج وغضبهن عند إنجاب “فتاة”وما كن يتعرضن له من مهانة بدءا من عدم إطعامهن في فترة النفاس إلا أردأ الأطعمة لأنها فشلت في المهمة المقدسة ألا وهى إنجاب الولد ، كما يعاملن بكل إزدراء عبرت عنه الأمثال الشعبية في اختزال عبقري “لما قالوا ده ولد انشد ضهري وانفرد ، ولما قالوا دي بنية وقعت الحيطة عليا “
ببراعة أدبية كبيرة التقطت “قوت” تلك الحكايات وغزلت منها رواياتها ؛ ففي روايتها “رمزة “تكاد توقن أن”قوت” ربما تروي شيئًا من سيرتها الخاصة عدا بعض التفاصيل ، فوالد “رمزة” رغم أرستقراطيته واقترابه من دوائر الثقافة والمثقفين فهو يعتنق كل أفكار الرجل الشرقي الرجعية فيما يتعلق بالمرأة لذا فإنه لا يناقش ابنته مطلقًا في أمر خطبتها ، وعندما توفي خطيبها الأول ولم تسترد أسرة الخطيب “مدحت ” الهدايا ، فإنه آمن بالفكرة السائدة آنذاك أن عدم استرداد الهدايا معناه حرص الأسرة على استمرار المصاهرة وأن عليه تزويج ابنته بأحد شقيقي الخطيب الراحل ، وكل هذا دون مشورة ابنته التي طلبت منه أن يحل نفسه من هذا الارتباط برد الهدايا ، فرفض بوصفها إهانة .أي أن مصير الابنة توقف على رغبة أهل الخطيب المتوفي
كان والد “رمزة” كوالد “قوت” يتمنى إنجاب الولد ، ومثل والد “قوت” كان والد “رمزة” وعلى الرغم من أنه كان يفتح لها مكتبته لتقرأ ، فلم يكن مسموحًا لها بحضور الجلسات التي كان يستقبل فيها كبار الكتاب والإصلاحيين ، ورغم أنه سمح بوجود معلمة فرنسية “تمامًا كما كان الأمر مع قوت ” ، فإنه ظل متمسكًا بارتدائها اليشمك وعدم اختلاطها بالرجال. حتى ضيوف صالون والد رمزة كانوا أنفسهم ضيوف صالون عبد الرحيم باشا الدمرداش : الإمام محمد عبده ، الشيخ مصطفى المراغي ،وقاسم أمين ،أحمد شوقي وإسماعيل صبري
تحكى رواية “رمزة ” عن عالم الحريم القاسي الذي كان يحتم على فتيات تم اختطافهن أو بيعهن من قبل أهاليهن الحياة في مجتمعات غريبة عليهن ، وكل فتاة وحظها فمصيرها يتحدد وفق إمكانات الجمال التي تتمتع بها ومن ثم السيد الذي يقوم بشرائها ..هذا العالم الذي ترفضه قوت على لسان بطلتها “رمزة ” وهى تحكى قصة والدتها “إندشا ” التي تنتمي إلى بلاد الصرب وكيف انقطعت علاقتها ببلادها وأسرتها بعد أن اختطفها أحد تجار الرقيق وباعها إلى أسرة في استانبول وبعد وفاة سيدتها جاءت إلى القاهرة لتنتقل من يد إلى أخرى حتى تذهب إلى بيت سيدها الجديد الذي أنجبت منه ابنتها “رمزة ”
تفتحت عينا رمزة على الحريم الذي وصفته ” كان مجتمع هؤلاء النسوة مغلقًا تمامًا وفى كل يوم تتكرر أعمال منزلية معتادة وإيقاعه يحدوه آذان المؤذن عندما يحين موعد كل صلاة ولا تتحطم الرتابة إلا حين تصل أنثى جديدة إلى الحريم أو حين تتغير الأحوال بين اثنتين من الصداقة إلى العداوة أو إذا حدثت مشادة ، دسيسة ، مرض أو موت إن هذا كان يعطي للحياة هنا طعمًا “
وحكت رمزة كيف كانت تجد في رواية أمها عن سباقات الجواري منتهى الذل حين كان يتم ربط الجاريات مكان الخيل في العربات وعليهن التسابق في جرها ، وكل مجموعة من الجاريات يتبعن إحدى زوجات الباشا ويرتدين لونًا من الثياب يعبر عنهن وكل زوجة تركب إحدى العربات وكانت الجارية الفائزة تحصل على بروش من الألماظ . أما السيد أو صاحب المنزل فكان يشاهد الجاريات أثناء السباق ويختار من بينهن من تروق له لقضاء الليلة معها . كانت السباقات تقام أسبوعيًا تقريبًا “كنت منزعجة من هذا الذي حدث لكن أمي كانت تحكي هذا وهى تجتر لحظات المرح ،دون أن تنسى أن تأسف لأن عربتها لم تفز ..بينما كنت أنا غارقة في مشاعر الإذلال والإحساس بالمهانة وأنا طفلة لقد كانت أمي تعامل معاملة الخيول “

يطرح الكتاب مفارقة درامية مؤلمة؛ فالسيدة التي كانت تعد من أغنى شخصيات مصر، واحتفظت بحق “العصمة” لنفسها لتطلق زوجها، سقطت هي نفسها ضحية حب مستحيل من طرف واحد للصحفي محمود أبو الفتح. كيف تقرأين هذه الهشاشة العاطفية لامرأة قوية حاربت “الطغيان الرجالي”، لكنها ظلت أسيرة لعهد قلب لم يخفق لسواها وساندته مادياً ومعنوياً حتى بعد رحيله؟
*المرأة مهما بلغت قوتها في داخلها أنثى تتوق للحب والحنان وتمتثل لفطرتها ،حتى أنه حين تراها محبة ، تبدو لك قوتها الخارجية كالصدفة الصلبة التي تغطي جسد كائن رقيق وديع . وفي حياة المرأة رجل واحد تقف أمامه طفلة لاهية تسقط معه كل حساباتها وتسلم له حصونها راضية .هكذا كان محمود أبو الفتح بالنسبة ل”قوت “.وفي واقع الأمر أجد تشابهًا كبيرًا بين قصة حب قوت لأبي الفتح ، وقصة حب الملكة نازلي والدة الملك فاروق لأحمد باشا حسنين رئيس الديوان الملكي، فقد تخلت نازلي عن وقار ملكة والدة ملك وتمادت في سلوكياتها كأنثى عاشقة ولم تهتم لبروتوكول حتى تربصت للمطربة أسمهان وأخرجتها من مصر لأنها غارت من علاقتها بحسنين باشا . لكن نازلي استطاعت نهاية الأمر الزواج منه وفازت به على حساب عائلته الصغيرة رغم أنه حسب شهادة – محمد التابعي – كان يحب زوجته لكنه ربما اضطر للزواج من نازلي . هكذا قوت تمادت في حب أبي الفتح
لكن يبدو أنه لم يبادلها ذلك الحب خصوصًا وأنه كان ضد فكرة الزواج كما أعلن مرارًا” نحن معشر الصحفيين لا نصلح للزواج” .لكنها ظلت بجواره بدافع الحب وساندته معنويًا وساعدته ماديًا ، ففي عام 1954 اشترت له شركتي الإعلانات الشرقية والمصرية بمبلغ 300 ألف جنيه من مالها الخاص
كانت قوت القلوب قطباً ثقافياً. حوّلت قصرها في التحرير إلى صالون أدبي باذخ يرتاده كبار الكتاب الفرنسيين والمصريين. بل إنها أسست جائزة أدبية عام 1940 منحتها لنجيب محفوظ وعلي أحمد باكثير. كيف تقيمين دورها كـ “راعية للآداب” في تلك الحقبة؟ ولماذا سقط هذا الدور التنويري من ذاكرة التاريخ الثقافي المصري لعقود طويلة؟
*اهتمت قوت القلوب بطباعة الكتب على نفقتها الخاصة خصوصًا كتب التراث التي أهملت على الأرفف في دار الكتب ، ومنها “إمتاع السماع بما للنبي صلي الله عليه وسلم من الأحوال والأموال والحفدة المتاع ” لتقي الدين المقريزي. وأنشأت مكتبة بالقاهرة للإمام الغزالي، وفتحت مكتبتها الخاصة بقصرها في ميدان الإسماعيلية “التحرير حاليًا” لطلاب الجامعة المصرية بإشراف الدكاترة محمد مصطفى حلمي ، ومصطفى وصفي ، وعبد الحليم محمود، وعلى عبد الواحد، ومحمد التفتازاني ، وكانت تلك المكتبة تضم حوالي 8 آلاف كتاب
هذا إلى جانب صالونها الثقافي الشهير الذي كان ظاهرة حميدة في القاهرة مطلع القرن الماضي شاركت في إحداث الحراك الثقافي والاجتماعي بمصر ، ويكفي الإشارة إلى الدور الذي لعبه صالون الأميرة نازلي أواخر القرن ال19 في بلورة أفكار قاسم أمين حول تحرير المرأة ،وهو الصالون الذي كان من أبرز مرتاديه سعد باشا زغلول والإمام محمد عبده . أما جائزتها الأدبية فساهمت في تنشيط الحياة الأدبية وتكفي شهادة نجيب محفوظ بأنحصوله على تلك الجائزة أنقذه من الإحباط وفتح أمامه الباب لعقد الشراكة التاريخية مع السحار الذي نشر له أعماله
وللأسف أسقط هذا الدورالتنويري عمًدا مع سبق الإصرار والترصد من سجلات التاريخ بسبب السياسة وإرادة الساسة
الجدد في مصر بعد 23 يوليو 1952. وبعد رحيلهم كان اسمها قد سقط سهوًا من ذاكرة الأدباء والباحثين وضاع بين من ضاعوا بفعل السياسة التي هى كما وصفها الفيلسوف الألماني”هيجل “:” شر لابد منه”
لقد وثقت قوت القلوب في رواياتها تفاصيل دقيقة لفولكلور الحريم، من السحر وحفلات الزار والمشاهرة، إلى الطواف حول تماثيل الفراعنة للإنجاب، وهو ما جعل طه حسين يتحفظ على نشر هذه العادات بلغة أجنبية تخوفاً من أن تكون حجة علينا من الأجانب. اليوم، نستعد لإطلاق الترجمة الفرنسية لكتابكِ عالمياً في يناير، من خلال تعاون استثنائي بين “سلفور إديشنز” و”دار ريشة للنشر والتوزيع”، وسيشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب الانطلاقة الأولى لهذه النسخة. هل تُعد هذه الخطوة إعادة اكتشاف لقوت القلوب أمام نفس الجمهور الفرنكوفوني الذي صفق لها في دار “جاليمار”؟ وما دلالة أن تبدأ هذه الانطلاقة العالمية من قلب القاهرة؟
*بالتأكيد أنا سعيدة للغاية بهذه الخطوة وأرى أنه آن الآوان لتعود الأضواء إلى سيرة الأديبة قوت القلوب وهى بحق تستحقها بشهادة الأديب الكبير د. طه حسين الذي أعجب بأدبها وتمنى ترجمته يومًا من الفرنسية إلى العربية ليعرفها القارىء العربي كما الفرنسي ، وعندما صدر كتابي التوثيقي عن قوت القلوب اعتبرت أنني قمت بدوري في كشف الغبار عن سيرة تلك السيدة وهو واجبي كباحثة أمينة على حقائق التاريخ. وأتمنى أن تترجم سائر رواياتها من الفرنسية إلى العربية إذ لم يترجم لها سوى روايتي “حريم” و”رمزة” وهما ترجمة د. دسوقي سعيد.
أما إطلاق الترجمة الفرنسية لكتابي ، فهو تتويج مهم لجهدي في التعريف بهذه السيدة وإنصاف من السماء لها أن تعود سيرتها لتحلق في فرنسا حيث حلقت أول مرة حين صدرت رواياتها عن دار جاليمار .وأن تعود ملء السمع والبصر كما تستحق وهذا هو انتصار القدر لها ، وتأكيد على أن التاريخ لا يستمر تزويره للأبد وأن الليل ينجلي حتمًا لتشرق الشمس على ماحاول الظلام طمسه .
اشتهرت قوت القلوب بأنها “أم الدراويش” وسيدة البر التي تبرعت بـ 50 ألف جنيه لبناء مستشفى الدمرداش. كان شرط والدها الوحيد أن تُدفن هي وهو وزوجته في قبة داخل المستشفى. لكن الأقدار قادتها لتموت غريبة وتُدفن في روما، لتُكسر الوصية. كيف تلخص هذه المفارقة بين مستشفى يحمل اسم العائلة ويشفي الآلاف، وبين قبر وحيد في منفى أوروبي، سيرة عائلة الدمرداش؟
*لا يمكن وصف تلك المفارقة سوى بالظلم البين والقهر وغباء السياسة الذي يمثل نموذجًا لحالات كثيرة مماثلة ،قدمت لمصر الكثير فعوقبت فيما عرف ب” العهد البائد” ، فأمراء وأميرات أسرة محمد علي تم التنكيل بهم رغم دورهم في تنمية الحياة الثقافية والعلمية والفنية في مصر ، وكثير من الشخصيات العامة التي بذلت جهدًا في بناء الوطن فهدمها مجموعة من الضباط عديمي الخبرة بشئون السياسة
لقد تبرع عبد الرحيم باشا بقطعة أرض مساحتها 15 ألف متر ، وأربعون ألف جنيه لإقامة مبنى المستشفي ، وريع ستون ألف جنيه للإنفاق على المستشفي على أن تتكفل الحكومة بالباقي
واشترط أن يكون المستشفي عامًا لجميع الأمراض فيما عدا الأمراض المعدية ، وأن يعالج به جميع الفقراء مجانًا دون النظر إلى دياناتهم أو جنسياتهم .أما المرضى القادرون فيتم علاجهم نظير رسوم توجه إلى الإنفاق والصرف علي صيانة وتحديث وتجديد المستشفي وشراء ما يلزمها من أجهزة ومعدات ودفع رواتب العاملين بها. وقد وافق مجلس الوزراء علي هذه الشروط دون تردد وبدأت إجراءات وضعها موضع التنفيذ وعليه تم البدء الفوري في إنشاء المستشفي التي تبرعت لها كريمته قوت القلوب هانم بمبلغ 50 ألف جنيه والسيدة قرينته بمبلغ 25 ألف جنيه قيمة بيع مجوهراتها
,وقد اشترط على الحكومة وضع تمثال له في مدخل المستشفى والذي مازال موجود حاليًا ، وقد أبدعه المثًال المصري “أنطون حجار” ونفذه من خامة الجص ثم أرسله إلى فرنسا لصبه بخامة البرونز.وكان الشرط الثالث بناء قبة داخل المستشفى ليدفن بها وزوجته “زينب” وابنته” قوت القلوب” . إلا أن قوت القلوب التي أجبرها عبد الناصر على الخروج من مصر ، لم يكن لها أن تدفن حيث رغبت ورغب والدها ، فقد رفض عبد الناصر ذلك، مخالفًا بذلك الشروط الدينية للوقف في الشريعة الإسلامية ، فدفنت في إيطاليا ، وقد كان له موقفًا مماثلا مع الملك فاروق حيث رفض دفنه في مصر لولا تدخل الملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز لكن ناصر أصر ألا يدفن في مسجد الرفاعي حيث أسلافه ، فدفن ملك مصر السابق في حوش الباشا “مدفن محمد علي باشا “بالإمام الشافعي . ولم ينقل جثمانه إلى مثواه الحالي في مسجد الرفاعي إلا في عهد الرئيس السادات
المشهد الأخير في حياة الست قوت يبدو كمسرحية إغريقية دموية. من قصر باذخ هُدم عام 1963 ليحل محله نفق للسيارات، ومصادرة للأملاك، إلى العزلة والتقشف القاسي. ثم اللحظة المروعة عام 1968 حين سقطت صريعة بكرسي خشبي قذفها به ابنها “مصطفى” المريض عقلياً. برأيك، هل كان الانهيار السياسي والاجتماعي الذي تعرضت له عائلتها بعد حركة 23 يوليو هو القاتل الخفي الذي أوصل تلك العائلة إلى حافة هذا الجنون وتلك النهاية المأساوية؟
*لاشك أن تلك الحركة هى القاتل المعلوم الذي أجهض أحلامًا ودمر أناسًا وانتزع أملاكًا وشوه إنجازات وعمم الأحكام وقام بأكبرعملية تزييف للوعي الجمعي في مصر حين أهال التراب على حقبة زمنية بكل من فيها . فحين ينتزع أحدهم بيتك وأرضك ومالك ويخرب مستقبل أبناءك فيطردون من وظائفهم لأنهم أبناء طبقة اجتماعية معينة ، ويستولي على ممتلكاتك الخاصة بما في ذلك ألبومات الصور والملابس الخاصة، وهوما حدث حين بيعت مقتنيات العائلة المالكة في مزادات لم تنجومنها حتى أواني الطهي . إن قرارات التأميم غير المنضبطة قهرت البعض وأماتته حسرة؟!! كما حدث مع الموسيقار محمد فوزي الذي انتزعت منه شركته التي أسسها بجده وعرقه ليقضي على احتكار الأجانب لصناعة الأسطوانة، وينتج أول أسطوانة وطنية سجل عليها في استديوهاته القرآن الكريم بأصوات الحصري والبنا والمنشاوي، وهي التسجيلات التي ما زلنا نستمع إليها حتى الآن، ورفض فوزي آنذاك تقاضي أي أجر مقابل تلك التسجيلات
المصير المؤلم الذي آلت إليه السيدة قوت كان هو ما دفعني لتسمية الكتاب “اغتيال قوت القلوب الدمرداشية “، فقد اغتالتها حركة 23 يوليو ماديًا ومعنويًا حين انتزعت أموالها وأجبرتها على الهجرة ورفتت ابنها فمسه الجنون ، فتلك الحركة هى القاتل الحقيقي لا ذلك الكرسي الطائر الذي أصاب هدفه دون قصد أونية




Leave a Reply