
حوار مكتب تحرير
sulfur editions
مع اشرف العشماوي حول النسخة الاسبانية من روايته
LA ASOCIACIóN SECRETA DE lOS CIUDADANOS
في عالم تتلاشى فيه الحدود بين العبقرية والجنون، يبرز الروائي المصري أشرف العشماوي كواحد من أهم الأصوات السردية المعاصرة. العشماوي، الذي يجلس على منصة القضاء يمتلك قدرة استثنائية على خلع عباءة القاضي الصارم ليرتدي ثوب الروائي المتمرد الذي يغوص في تعقيدات النفس البشرية وقاع المجتمع.
اليوم، نحتفي بالانطلاقة العالمية لروايته الفارقة “جمعية المواطنين السريّة”
(LA ASOCIACIÓN SECRETA DE LOS CIUDADANOS)

هذا العمل الاستثنائي الذي يشق طريقه إلى القارئ الإسباني بفضل ترجمة بديعة للدكتورة عبير عبد الحافظ، يعرض تشريحاً فلسفياً لهشاشة الحقيقة وتبرير التزييف كآلية للبقاء. وما يضفي على هذه الطبعة العالمية بُعداً طليعياً غير مسبوق، هو صدورها عن دار “سلفور إديشنز”
(Sulfur Editions)
بالتعاون مع “الدار المصرية اللبنانية”

في “جمعية المواطنين السرية”، نرى العدالة تتحقق عبر التزييف، والخلاص يتجلى في الجنون. كيف توازن بين مقعد القاضي الذي يبحث عن “الحقيقة المطلقة”، وعقل الروائي الذي يمنح بطلاً مثل “معتوق الرفاعي” مبرراً لتزييف لوحة “زهرة الخشخاش” وتزوير العملة؟
في الحقيقة هذا السؤال يعبر ذهني في كل مرة أمسك القلم فيها لأكتب رواية أو نوفيلا لكن كومضة وبعدها يغلب الروائي القاضي ، بداية أحب أن أوضح أن القاضي يبحث عن الحقيقة المطلقة، يزن الأدلة، ويصدر أحكاماً تغير مصائر الناس. أما الروائي ففضائه أرحب ، يمنح شخصياته مبرراتها الإنسانية، حتى لو كانت تلك المبررات تزويراً أو أي جريمة طالما لها مبرر إنساني ، بطل الرواية هنا وهو معتوق الرفاعي فنان موهوب سرق إبداعه صديقه غريب أبو إسماعيل أي تعرض لظلم شديد ، ثم استخدمه صديقه في تزوير لوحة «زهرة الخشخاش» لفان جوخ واستبدالها باللوحة الأصلية المسروقة من متحف محمود خليل بالقاهرة ، وعندما حاول معتوق كشف الحقيقة قبل أن يكون مجرما دفع ثمناً باهظاً وهو عشر سنوات من عمره في مستشفى الأمراض النفسية . بعد خروجه لم يعد يرى في التزييف شراً مطلقاً، لكن ربما وسيلة للبقاء وللعدالة الموازية ، هكذا رسمت الشخصية من البداية ، الجمعية السرية التي أسسها معتوق تطبع أوراقاً نقدية صغيرة وتوزعها على المهمشين في عزبة الوالدة، فتحقق لهم ما عجزت عنه الدولة وهو ما يذكرتا بقصة روبين هود . بالطبع أنا كقاضٍ أدرك خطورة الزيف ، لكن كروائي أرى أن الحقيقة أحياناً تكون حصاة وسط كثبان من الأكاذيب ، وأن العدالة قد تتحقق عبر التزييف عندما يفشل النظام الرسمي وبالمناسبة وأنا قاضي أتفهم هذه الدوافع وغالبا ما أختار عقوبة مخففة في هذه الحالة ، أمر أخر أحب الإشارة إليه أن الكتابة الروائية جعلتني قاض أكثر رحمة، والقضاء جعلني روائي يدقق في كل تفصيلة. أنا لا أبرر الجريمة، لكنني أتفهم ظروف من يُجبرون عليها.
الرواية تلعب بتقنية بصرية معقدة أشبه بـ “اللوحة داخل اللوحة”. البطل رسام يتماهى مع عوالم “فان جوخ” النفسية، وينتهي به الأمر مدمجاً في لوحته الخاصة. كيف وظفت هذا التكنيك التشكيلي لبناء معمار السرد؟
واحدة من حيثيات فوزي بجائزة كتارا الثقافية عن هذه الرواية كانت لتقنية لوحة داخل اللوحة عبر الرواية ، في الحقيقة الأمر ليس مصادفة إنما تبادر لذهني من البداية، فمعتوق بطل الرواية رسام يتماهى مع عوالم فان جوخ النفسية مثل الوحدة، الجنون، والإبداع الذي لا يُعترف به ، وبالتالي كانت اللوحة الكبرى التي يرسمها للمواطنين في غرفته المتهالكة ليست مجرد بورتريه، لكنها أقرب ما تكون لمعمار سردي كامل للرواية يجمع فيها أعضاء الجمعية في حال أفضل من واقعهم، ويضعهم في الصدارة ، كل شخصية تدخل اللوحة تحمل حكايتها مثل سراج البدوي، زكي الساكت، الست أنهار، أسعد جرجس الكومبارس وغيرهم … اللوحة تتسع مع الزمن ودخول أعضاء جدد للجمعية السرية وتتماهى مع واقعهم المزيف، هذه التقنية سمحت لي بجمع كل الشخصيات دون أن تفلت خيوط السرد مني ، وحولت الرواية إلى لوحة موازية تتحدث عن القاهرة المنسية وتحولاتها من السبعينيات إلى ما قبل ثورة يناير 2011. الفن التشكيلي في روايتي ليس زينة، لكنه في نظري وسيلة لإعادة رسم الأقدار ومنح المهمشين الخلاص الذي حرمتهم منه الحياة
انتقال هذه الرواية إلى اللغة الإسبانية عبر د. عبير عبد الحافظ يفتح النص على ثقافة تقدس “الواقعية السحرية”. ماذا يعني لك أن يقرأ جمهور أمريكا اللاتينية وإسبانيا عن مأساة “عبدو شنكل” و”أنهار” و”سراج البدوي”؟
شعور عظيم بترجمة روايتي إلى الاسبانية ومتشوق جدا لسماع رأي القراء هناك،أن تُقرأ الرواية بلغة غابرييل غارسيا ماركيز وإيزابيل الليندي يعني أن مأساة عزبة الوالدة في القاهرة تلامس أرواحاً تعيش واقعاً مشابهاً من التهميش والزيف والبحث عن العدالة الموازية . أبطال روايتي مثل عبده شنكل، وأنهار، وسراج البدوي وغيرهم يمكن اعتبارهم رموز للإنسان الذي يتنفس الكذب ليبقى حياً دون أن يؤذي غيره ، أيضا الواقعية السحرية في ثقافتهم المحلية تجعلهم يفهمون بسهولة كيف يمكن لجمعية سرية للمواطنين ممولة بأموال مزيفة أن تصبح يوتوبيا صغيرة في قلب الديستوبيا. لابد أن أشيد بالترجمة البديعة للدكتورة عبير عبد الحافظ ، وصدور الرواية في نسختها الاسبانية عن دار نشر فرنسية كبيرة هي Sulfur Editions
وهو ناشر عظيم سعدت جدا بالتعاون معه ومع المسؤلين عن النشر بالقاهرة وهما غادة كمال ومحسن البلاسي، هذا الفنان الموهوب الذي استطاع بفنه أن يثري النسخة المترجمة برسومه الداخلية البديعة ، باختصار أنا أرى ان الترجمة للغة مهمة عالميا الان مثل الاسبانية فرصة عظيمة لكي أنفتح على قراء يقدسون المزج بين الواقعي والخيالي ويقدرون الفن الروائي ، وهذا بالضبط ما حاولتُه في الجمعية السرية للمواطنين فهي باختصار رواية واقعية تقف على حافة الفانتازيا. هنا كل شيء ممكن حدوثه لكن لا يحدث
بنيت “جمعية سرية” للمهمشين، لها مناصب وقوانين، بل وميزانية من أموال مزيفة. هل هذه الجمعية هي اليوتوبيا المفقودة أم أنها ديستوبيا تعكس فشل الواقع المصري آنذاك؟
في ظني هي الاثنان معاً، يوتوبيا للمهمشين الذين وجدوا فيها نظاماً موازياً يمنحهم إعانات شهرية ويسجل محاضر اجتماعات ويعين مناصب (سراج مندوب تحصيل، شاكر أمين صندوق، زكي مسؤول مشاكل الأسرة…) ولها قوانين وقواعد وتفرض عقوبات على المخالفين ومجلس إدارة ومحاضر اجتماع ودعوة شهرية عن طريق أغاني ام كلثوم ، لكنها أيضاً ديستوبيا بامتياز تعكس فشل الواقع المصري آنذاك، فحتى 2011 كانت مصر دولة تنفض يدها عن المهمشين وينتشر فيها الفساد بسبب انفتاح اقتصادي أقرب لانفلات اقتصادي مما ساعد على خلق طبقات طفيلية، وتيارات دينية متطرفة بالتوازي . في روايتي كانت الجمعية سرية كما يظن أعضاؤها لكن الكل يعلم بأمرها، ممولة بأموال مزيفة ولا أحد يضبطهم ، تدوم عقوداً وتكبر ولما نجحت وبدأت تكون مؤثرة استولت عليها الدولة وهنا قمة المفارقة والسخرية من واقعنا ، الجميعة السرية في نظري هي مقاومة الزيف بالزيف، وحل مجنون لواقع مجنون ومع ذلك في نهاية الرواية يكتشف الأعضاء أنهم مجرد أرقام في طابور طويل ينتظرون نصيبهم ويدفعون من أعمارهم دون أن يدروا.
يتنقل السرد ببراعة بين زمن قاهرة السبعينيات، ومقاطع تاريخية عن عصر الخديوي إسماعيل والمفتش تُروى على لسان المعلمة “راوية”. ما الفلسفة وراء إقحام هذا التاريخ في صلب حبكة عن سرقة لوحة؟
المسأل ليست إقحام تاريخ قديم للخديوي إسماعيل إنما تحقيق الدهشة من خلال المفارقة والمقارنة بين عصرين ، ماذا ورثنا من العصر الملكي وما الذي فعلناه في هذه التركة ؟ باختصار الفلسفة بسيطة لأن التاريخ يعيد نفسه، بطلة روايتي واسمها راوية المعلمة بالمدرسة الابتدائية تروي هذه الحكايات للصغار لتذكرهم بأن الزيف والغدر ليسا حادثين عابرين، لكن نمط يتكرر عبر العصور وحتى سرقة اللوحة ليست مجرد جريمة فنية إنما هي رمز لسرقة الذاكرة والكرامة والفرص. التاريخ هنا ليس خلفية عادية مقحمة لكنه مرآة للحبكة المعاصرة، تجعل القارئ يرى أن ما يحدث في السبعينيات وما قبلها بمئة عام في الوقت ذاته
الصمت يلعب دوراً حاسماً، يتجسد بقسوة في شخصية الطفلة “زهرة” البكماء. هل صمت زهرة وانسحابها هو إدانة لخطايا جيل الآباء؟
إجابتي هي نعم دون شك ، زهرة ابنة معتوق، البكماء، هي الإدانة الصامتة الأقوى، صمتها انسحاب من عالم الآباء الذي امتلأ بالتزييف والخيانة والجنون، هي الزهرة الثانية في حياته بعد لوحة «زهرة الخشخاش»، لكن الحياة اختطفتها ومنحتها للغرباء كعقاب له على جرائمه في حقها ، صمتها يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله ، ولأني لم أرد أن أكون مباشرا فصمتها يكشف جيل الآباء الضعفاء المتخاذلين وكيف فشل هذا الجيل في حمايتها وتركها تدفع ثمن خطاياهم . في عالم الرواية أحيانا يكون الصمت أبلغ من الاعتراف، وأقسى من أي حكم قضائي، وأبلغ من أي سرد أدبي
تبدأ الرواية وتُختتم روحياً باقتباس معتوق: “الحياة تستحق أن تُعاش إذا لم تكن إنساناً عاقلاً”
(La vida es digna de ser vivida si no eres una persona sensata)
هل مستشفى “العباسية” كان هو الملاذ الآمن والحرية الحقيقية لمعتوق؟
«الحياة تستحق أن تُعاش إذا لم تكن إنساناً عاقلاً» نعم بالطبع ، أنا عندما كتبت هذا الاقتباس الذي يفتتح الرواية ويختمها روحياً كنت أقصد أن أضع يد القارئ من البداية على مفتاح شخصية البطل معتوق . مستشفى العباسية في روايتي كانت ملاذاً آمناً، وهناك اكتشف البطل أن الجنون قد يكون هو الحرية الحقيقية في عالم مجنون يعيش خارج الأسوار حيث الكل يتظاهر بالعقل بينما يتنفسون الزيف ؛ لكن داخلها يستطيع معتوق أن يرى الحقيقة بوضوح أكبر وبعد خروجه حمل معه هذا الدرس وبنى الجمعية السرية لمواطني منطقته على أساسه ، فكانت فلسفته البسيطة هي ” إذا كان الواقع مزيفًا، فلنقاومه بزيف منظم يخدم المهمشين “
كروائي وقاضٍ، أنت تكتب أقدار البشر وتفصل فيها في الواقع، بينما “معتوق الرفاعي” يعيد رسم أقدار المهمشين في لوحته الكبرى ويعدل فيها كما يشاء ليمنحهم الخلاص. في ختام حوارنا، إذا قرر “معتوق” أن يمسك بفرشاته ليرسم بورتريه لـ “أشرف العشماوي”، صانعه ومبتكره، فما هي الألوان التي تعتقد أنه سيستخدمها؟ وهل سيضعك داخل إطار “جمعية المواطنين السرية” كعضو شرفي، أم سيتركك واقفاً خارج أسوار مستشفى العباسية تتأملهم من بعيد؟
هذا السؤال يعجبني للغاية وجديد بالنسبة لي ومدهش لأن أحد القراء بالفعل ويعمل رساما قام بوضع صورتي داخل لوحة تخيلها للجمعية السرية للمواطنين من فرط اندماجه مع الرواية ، لو أمسك معتوق بفرشاته ليرسمني أعتقد أنه سيستخدم ألوان الأرض والرمادي والضوء الخافت الذي يأتي من نافذة غرفة مكتبي . ألوان صفراء في الظاهر، لكن فيها لمسات حمراء من زهرة الخشخاش، وأزرق فان جوخ الحزين، وأصفر الأمل الذي لا يموت. لكن أظن أنه لن يضعني داخل إطار لوحة الجمعية حتى كعضو شرفي ؛ فالجمعية للمهمشين الذين عبروا جسر الجريمة بدافع إنساني ، أغلب ظني أنه سيتركني واقفاً خارج أسوار العباسية، أتأملهم من بعيد، أحمل دفتراً في يد وقلماً في الأخرى سيمنحني فرصة للكتابة عنهم ، ربما يرسمني وأنا أبتسم ابتسامة مريرة، أعرف أنني صنعتهم، لكنهم هم من صنعوا حريتي ككاتب ومنحوني الفرحة عندما فزت بالجائزة وفي كل مرة تترجم فيها الرواية للغة أخرى غير العربية
وبمناسبة هذا السؤال سأحكي لكم واقعة غريبة أقرب للواقعية السحرية حدثت معي أثناء كتابة هذه الرواية فأنا كما تعلمون أعمل قاضيا بالمحكمة الجنائية حتى الان وفي يوم ذهبت للمحكمة مبكرا لمراجعة القضايا الجديدة التي سأنظرها في الجلسة فوجدت قضية تزوير عملات مصرية المتهم فيها فنان تشكيلي ومن ضمن ما زوره أيضا كارنيه نادي رياضي حتى تتمكن ابنته من لقاء زميلاتها بالمدرسة فيه ، انتابني ذهول وظنت أنني أحلم وعندما استدعيت المتهم للمثول امامي كانت ملامحه تشبه لحد التطابق بطل روايتي معتوق رفاعي ، شعرت لوهلة أن هناك شيئا ما لا يعمل بصورة صحيحة أو منطقية أو أن هناك قوى أكبر مني تتحكم في خيالي فيما يبدو ، أنا في هذه المرحلة كنت أكتب شخصية روائية وأتخيل مسارا لها ، ثم أجدها مجسدة امامي لحما ودما بنفس الطريقة والشكل ، شعرت بخوف غريب يومها ورفضت نظر القضية وتنحيت عنها وذهبت القضية الى قاضي أخر ، تحججت بحُجة طريفة لزملائي بالمحكمة عند الاعتذار عن عدم نظر القضية ، أخبرتهم أنني أعرف المتهم بصورة شخصية لا يصح معها أن أحاكمه وصدقوني ، والحقيقة أنني بالفعل لم أكن كاذبا
في النهاية شكراً لكم على هذه الأسئلة العميقة ، وهذه الرواية من أقرب الروايات التي كتبتها لقلبي وهي ليست عني بل عنهم .. أولئك البعيدين عن المركز، الذين تتكدس حيواتهم في الحواشي ، ويحاولون النجاة فقط . أهديتها لهم وأهدي هذه الإجابات لكل من يقرأ «جمعية المواطنين السرية» اليوم بالإسبانية أو بأي لغة أخرى في الغد
أشرف العشماوي
روائي مصري
أغسطس 2026










Leave a Reply